ابن الأثير
379
أسد الغابة ( دار الفكر )
السوق . قال : فدله ، فكان ، يشترى السّمينة ، والأقيطة والإهاب [ ( 1 ) ] ، فجمع فتزوج . فأتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : « بارك اللَّه لك ، أولم ولو بشاة » . قال : فكثر ماله ، حتى قدمت له سبعمائة راحلة تحمل البرّ ، وتحمل الدقيق والطعام . قال : فلما دخلت المدينة سمع لأهل المدينة رجة ، فقالت عائشة : ما هذه الرجة ؟ فقيل لها : عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف ، سبعمائة بعير تحمل البر والدقيق والطعام . فقالت عائشة : سمعت النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « يدخل عبد الرحمن بن عوف الجنة حبوا . فلما بلغ ذلك عبد الرحمن قال : يا أمّه إني أشهدك أنها بأحمالها وأحلاسها [ ( 2 ) ] وأقتابها في سبيل اللَّه عز وجل » . [ ( 3 ) ] كذا في هذه الرواية أنه أخي بينه وبين عثمان . والصحيح أن هذا كان ، مع سعد بن الربيع الأنصاري كما ذكرناه قبل . وروى معمر عن الزهري قال : تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بشطر ماله أربعة آلاف ، ثم تصدق بأربعين ألفا ، ثم تصدق بأربعين ألف دينار ، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل اللَّه ، ثم حمل على خمسمائة راحلة في سبيل اللَّه . وكان عامة ماله من التجارة . وروى حميد ، عن أنس قال : كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام ، فقال خالد لعبد الرحمن : تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها . فبلغ ذلك النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، فقال : « دعوا لي أصحابي ، فو الّذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه » [ ( 4 ) ] . وهذا إنما كان بينهما لمّا سيّر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بعد فتح مكة ، فقتل فيهم خالد خطأ ، فودى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم القتلى ، وأعطاهم ثمن ما أخذ منهم . وكان بنو
--> [ ( 1 ) ] الأقط - بفتح فكسر - : لبن مجفف يابس يطبخ به ، والقطعة منه : أقطة ، والأقيطة تصغير لها . والإهاب : الجلد قبل أن يدبغ . [ ( 2 ) ] الأحلاس ، جمع حلس وهو : الكساء الّذي يلي ظهر البعير تحت القتب ، والقتب للبعير بمثابة البرذعة للسمار . [ ( 3 ) ] أخرج الإمام أحمد نحوه عن عبد الصمد بن حسان عن عمارة ينظر المسند : 6 / 115 [ ( 4 ) ] أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي عن أبي سعيد الخدريّ : 5 / 10 ، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة ، باب تحريم سب الصحابة عن أبي هريرة : 7 / 188 . وكذلك أخرجه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدريّ : 3 / 11 ، 54 . والنصيف : النصف . والمعنى أن إنفاق مثل أحد ذهبا ، لا يعدل صدقة أحدهم بنصف مد - والمد : كيل ، وهو رطل وثلث عند أهل الحجاز ، فهو ربع صاع - وهذا لأن نفقتهم كانت في وقت الحاجة ، وإقامة الدين ، ونصرة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وحمايته ، وذلك معدوم بعده . وأيضا فإن نفقتهم كانت عن قلة ، ونفقة غيرهم عن غنى ، أضف إلى ذلك سبقهم إلى الإسلام وجهادهم .